الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

134

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقرأ الجمهور سَدًّا - بضم السين - وقرأه ابن كثير ، وأبو عمرو ، وحفص ، وحمزة ، والكسائي ، وخلف - بفتح السين - . وقوله ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ أي ما آتاني اللّه من المال والقوة خير من الخراج الذي عرضتموه أو خير من السد الذي سألتموه ، أي ما مكنني فيه ربي يأتي بخير مما سألتم ، فإنه لاح له أنه إن سد عليهم المرور من بين الصدفين تحيلوا فتسلقوا الجبال ودخلوا بلاد الصين ، فأراد أن يبني سورا ممتدا على الجبال في طول حدود البلاد حتى يتعذّر عليهم تسلق تلك الجبال ، ولذلك سمّاه ردما . والردم : البناء المردّم . شبه بالثوب المردّم المؤتلف من رقاع فوق رقاع ، أي سدا مضاعفا . ولعله بنى جدارين متباعدين وردم الفراغ الذي بينهما بالتراب المخلوط ليتعذر نقبه . ولما كان ذلك يستدعي عملة كثيرين قال لهم : فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أي بقوّة الأبدان ، أراد تسخيرهم للعمل لدفع الضر عنهم . وقد بنى ذو القرنين وهو ( تسين شي هوانق تي ) سلطان الصين هذا الردم بناء عجيبا في القرن الثالث قبل المسيح وكان يعمل فيه ملايين من الخدمة ، فجعل طوله ثلاثة آلاف وثلاثمائة كيلومتر . وبعضهم يقول : ألفا ومائتي ميل ، وذلك بحسب اختلاف الاصطلاح في تقدير الميل ، وجعل مبدأه عند البحر ، أي البحر الأصفر شرقي مدينة ( بيكنغ ) عاصمة الصين في خط تجاه مدينة ( مكدن ) الشهيرة . وذلك عند عرض 4 ، 40 شمالا ، وطول 02 ، 12 شرقا ، وهو يلاقي النهر الأصفر حيث الطول 50 ، 111 شرقا ، والعرض 50 ، 39 شمالا ، وأيضا في 37 عرض شمالي . ومن هنالك ينعطف إلى جهة الشمال الغربي وينتهي بقرب 99 طولا شرقيا و 40 عرضا شماليا . وهو مبني بالحجارة والآجر وبعضه من الطين فقط . وسمكه عند أسفله نحو 25 قدما وعند أعلاه نحو 15 قدما وارتفاعه يتراوح بين 15 إلى 20 قدما ، وعليه أبراج مبنية من القراميد ارتفاع بعضها نحو 40 قدما . وهو الآن بحالة خراب فلم يبق له اعتبار من جهة الدفاع ، ولكنه بقي علامة على الحد الفاصل بين المقاطعات الأرضية فهو فاصل بين الصين ومنغوليا ، وهو يخترق جبال ( يابلوني ) التي هي حدود طبيعية بين الصين وبلاد منغوليا فمنتهى طرفه إلى الشمال الغربي لصحراء ( قوبي ) .